الجاحظ

29

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وذم بعض الحكماء رجلا فقال : « يحزم قبل أن يعلم ، ويغضب قبل أن يفهم » . وقال عمر بن الخطاب رحمه اللّه في بعض رسائله إلى قضاته : « الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك » . ولا يمكن تمام الفهم إلا مع تمام فراغ البال . وقال مجنون بني عامر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبي فارغا فتمكنا وكتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى أخيه عيينة بن أسماء بن خارجة : أعيين هلّا إذ شغفت بها * كنت استعنت بفارغ العقل أقبلت ترجو الغوث من قبلي * والمستغاث إليه في شغل وقال صالح المري : « سوء الاستماع نفاق » . وقد لا يفهم المستمع إلا بالتفهم ، وقد يتفهم أيضا من لا يفهم . وقال الحارث بن حلزة : وحبست فيها الركب أحدس في * كل الأمور وكنت ذا حدس وقال النابغة الجعدي : أبى لي البلاء وأني امرؤ * إذا ما تبينت لم أرتب وقال آخر : تحلم عن الأدنين واستبق ودّهم * ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما والمثل السائر على وجه الدهر قولهم : « العلم بالتعلم » . وإذا كانت البهيمة إذا أحست شيئا من أسباب القانص ، أحدت نظرها ، واستفرغت قواها في الاسترواح ، وجمعت بالها للتسمع - كان الانسان العاقل أولى بالتثبّت ، وأحق بالتعرف .